الجِهات الغير حكومية والوثائق الوطنية الناظمة للأمن والدفاع
الجِهات الغير حكومية والوثائق الوطنية الناظمة للأمن والدفاع
مارون الحتي

من شأن مسار موثوق وفعال لتنظيم الوثائق الوطنية المتعلقة بالأمن والدفاع، أن يقوض عمل المنظمات الخارجة عن الدولة وتلك المختبئة فيها.

 

من غير المنطق أن لا يتّبع بلدٌ ما مسارًا لتنظيم وثائقه المُتعلقة بالدفاع والأمن. كما من شأن غياب مسار كهذا أن يبدد المسؤوليات ويمنع الدولة من احتكار استخدام القوّة على الأراضي التابعة لها. تزدهر الجهات الغير حكومية في المنطقة الرمادية حيث تكون، أي هذه القوى، في الوقت نفسه، داخل وخارج الحُكم. وفي الوقت الذي تدّعي فيه أنها سوف تسلم سلاحها عندما تُصبح الدولة قادرة على الدفاع عن أراضيها، تستغل هذه القوى وجودها التخريبي داخل الدولة لتمنع أي نشاط جاد من شأنه إعطاء هذه الدولة القدرة على تحقيق احتكار استخدام القوّة، لا سيما تحديد مسار واضح لتنظيم المستندات الوطنية المتعلقة بالأمن والدفاع.

 

في الحالة اللبنانية، فقد تمّ انتزاع تنظيم المُستندات أعلاه من النطاق التقني. لقد استُبدل مفهوم اعتماد الغايات والأهداف كدليل لتنظيم المُستندات الأمنية والدفاعية، بمفهوم الحسابات الضيقة للفئات النخبوية المتصارعة على السلطة ولرُعاتها وأسيادها الخارجيين، مما ينتج عنه فشلًا في تحديد حتى المجموعة الأساسية من المصالح الوطنية، يرافقه الاستخدام الدائم الخاطئ لمفهوم تنظيم المستندات الوطنية والذي يؤدي بدوره إلى منعّ حصول مناقشة صريحة وحقيقية وفعّالة حول تحديد سياسات الدولة.

 

لتحويل لبنان إلى دولة ذات سيادة، ولتصبح الدولة اللبنانية يومًا ما أمرًا واقعًا وليس مجرد صورة مجازية لدولة تتصارع فيها زبائنية سياسية ومصالح فئوية جاهلة تمامًا لأساسيات الأمن الوطني، فمن الضروري أن يعود تنظيم المستندات الموجِهة للدفاع والأمن إلى أساساته التقنية كأداة دائمة لهذا التنظيم.

تحديد المصالح الوطنية

يُشكل فشل لبنان المُتكرر في تحديد مصالحه الوطنية التحدي المتمثل في تنظيم المستندات الدفاعية والأمنية الوطنية. حدّد قانون الدفاع الأخير (المرسوم رقم 102 لعام 1983) المفاهيم التأسيسية المتعلقة بالدفاع الوطني، بما في ذلك تنظيم القوّات المسلّحة اللبنانية، المعروفة رسميًا بالجيش اللبناني، والنظام العام والإدارة واقتصاديات الدفاع. لكن هذا المرسوم لم يقدم نموذجًا يعتمد عليه لمسار وطني رسمي لتنظيم المستندات الوطنية المتعلقة بالدفاع.

 

تخطت الحالة المفروضة ما بعد الحرب الأهلية اللبنانية تناغم هذا القانون مع الواقع المتضارب حول الأولويات الوطنية في شأن الدفاع والأمن والتحديات الناتجة عنها. عند ذاك، وفي مواجهة استحالة التوصل إلى قواسم مُشتركة في مجلس الوزراء، أطلق رؤساء الجمهورية ما تمّت تسميته خطاءً "الاستراتيجية الدفاعية" في "طاولات الحوار" التي جمعت القياديين الأساسيين للفئات السياسية.

 

بالإضافة إلى ذلك، فبالرغم من أن للوزارات المختلفة واجباتٍ ومهامٍ مُحددة بوضوح في النصوص، لا يوجد أي مستند رسمي يرسم مسارًا يربط جهودها بشكل منهجي. فمن شأن آلية – أو مسار – لتنظيم وكتابة المستندات المتعلقة بالدفاع والأمن أن تصبح أساسًا يُرتكز عليه ولا غنى عنه للتخطيط للدفاع والأمن.

 

في المقابل، وفي غياب آلية كهذه، لا يبقى حلّ للأجهزة الأمنية الجاهدة لكتابة استراتيجياتها الوطنية، إلا العودة إلى نصوص مثل القسم الرئاسي والبيان الوزاري اللذين مرّا بتدقيق كثيف من قبل القوى الغير الحكومية المتربصة لهما، والتي بدورها تُفخخهما وتُفرغهما من كلُّ أمر نافع قبل السماح باعتمادهما، خدمة لمصالحها، ما يجعل من اعتماد هذه النصوص أمرًا دون فائدة.

إعطاء شكل لمسار واضح 

يتوجب على مسار تنظيم المستندات الوطنية المتعلقة بالدفاع والأمن أن يرتكز على أربع مستويات رسمية، يربط من خلالها السياسة بالاستراتيجية ويسمح للأجهزة الأمنية بتنظيم استراتيجياتها الخاصّة بها. فعلى أول وأعلى مستوى، يتوجب على مجلس الوزراء تنظيم "سياسة وطنية للأمن والدفاع" تكون مرتَكزًا للمستوى الرسمي التالي وهو المجلس الأعلى للدفاع لتنظيم "استراتيجية وطنية للأمن والدفاع،" والتي بدورها تسمح للمُستوى الثالث، ألا وهو وزارة الدفاع الوطني، بتنظيم "استراتيجية وطنية دفاعية" تؤسِس بنودها للمستوى الرابع، أي الجيش، بتنظيم "استراتيجيته الوطنية العسكرية."

من شأن مسار كهذا إعطاء الصلاحيات اللازمة للمسؤولين وتوضيح مسؤولياتهم. كما أنه سيبدد الضبابية التي تعمل ضمنها القوى الغير حكومية. بالإضافة إلى ذلك، سوف يخفض هذا المسار تأثير هذه القوى من خلال تأمين سياسة وإرشاد دفاعي وأمني – مكتوب – واضح وخالي من الغموض، محددًا الأولويات والطرق والوسائل الموضوعة تحت تصرف الأجهزة الأمنية، سامحًا بالنهاية للدولة باحتكار استخدام القوّة، وتحمل مسؤولية أعمال الأمّة في زمني الحرب والسلم.

 

لا يُساهم في الوقت الحاضر أي من هذه المستويات الأربع في تنظيم استراتيجية وطنية دفاعية. فبين عامي 2013 و 2020، جلّ ما تمكن الجيش القيام به كان خطتين لتطوير القدرات، غطّت الأولى الفترة المُمتدة بين 2013 و2017 والثانية الفترة المُمتدة بين 2018 و2022. فغياب مستويات التخطيط الثلات ألزم الجيش على العمل من الأسفل الى الأعلى، الأمر الذي هو في الوقت ذاته غير فعال وقصير الرؤية، نظرًا لضرورة تحديد واستخدام موارد وطنية قليلة مُخصصة للدفاع والأمن.

 

إذا قرر لبنان تنظيم مستندات مُرشِدة للدفاع والأمن الوطني، عليه أن يبذل جهود ثابتة على المستويات الثلاث الأعلى للتخطيط بصورة صائبة، وتحديد حجم القوّة اللازمة للمؤسسة العسكرية، والقدرات الواجب تأمينها لها لتمكينها من تنفيذ مهماتها. إن لم يفلح في ذلك، سوف يبقى لبنان في حالة تخطيط عشوائي لتحسين قدرات قوى عسكرية مُتوارثة ينقصها الوضوح حول الاستراتيجية، والطرق والوسائل إن لم نقل نقص في النوايا والإرادة.

 

 

مارون الحتي هو عميد متقاعد خدم في قيادة الجيش اللبناني مديرًا للعمليات بين عامي 2008 و2012 ونائبًا لرئيس الأركان للتخطيط بين عامي 2012 و2016.



 
آخر التغريدات


تواصل معنا