سياسات السلطوية العسكرية في شمال إفريقيا
سياسات السلطوية العسكرية في شمال إفريقيا
يزيد صايغ

 في آذار/مارس 2021 ، أصدر مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط مجموعة مقالات حول مسارات السياسة العسكرية في الجزائر، مصر، وليبيا، والسودان.

خلقت الحركات الاحتجاجية المتواصلة فرصة غير متوقعة للانتقال السياسي في السودان والجزائر خلال عام 2019. وفي كليهما، عزز تقبّل القوّات المسلّحة الضمني للإطاحة برئيسي الجمهوريتين الذين ساندتهما في الحكم لفترة طويلة الآمال في حقبة جديدة من التعددية السياسية والديمقراطية. لقد انخفض سقف هذه التوقعات نتيجة استغلال جائحة فيروس الكورونا خلال عام 2020 لترسيخ الحكم السلطوي، بينما أدى اشتداد الخصومات الجيوسياسية إلى إحياء بروز القوّات المسلّحة في شمال إفريقيا. لقد انحسر الأمل الأولي بحدوث تغيير سياسي في الجزائر، وقد ينحسر في السودان، ما قد يضع البلدين على مسار مصر بعد انقلاب عام 2013 وليبيا منذ بداية الحرب الأهلية فيها في عام 2014.

على مر ستون عامًا، بقيت القوّات المسلّحة لاعبًا سياسيًا مركزياً، ومحورا، و حقيقيًا للسلطة في كلٍ من الجزائر، ومصر، وليبيا، والسودان، إلا أن الاضطرابات التي شهدتها هذه الدول خلال العقد الماضي تستدعي إعادة النظر في طبيعة هذه السلطة. هل سيدفع حجم الأزمة الاجتماعية والتحديات الاقتصادية الهيكلية القوّات المسلّحة إلى السعي للرحيل عن الحكم؟ ففي مصر لم يبق إلا قلة من المحاورين السياسيين والاجتماعيين الذين بإمكان المؤسسة العسكرية التفاوض معهم حول انسحابها من السياسة، ما يحد من المدى المتاح لانتقال منظم. فيما هشاشة التسوية السياسية  في ليبيا تجعلها عرضة لإحتمال احتفاظ العسكريين بمكانة بارزة وإمكانية العودة إلى حكم استبدادي من قبل الجنرالات أو مدنيين مدعومين من المؤسسة العسكرية. في المقابل، تعد الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني أطراف محورية في كلٍ من الجزائر والسودان، ولكن هل بإمكانها منع تجديد الحكم العسكري المباشر أو غير المباشر؟ 

مسارات سلطوية

بناء على المسارات السياسية للمؤسسة العسكرية في هذه البلدان الأربعة، تفحص مجموعة المقالات التي أصدرها مركز مالكولم كير–كارنيغي للشرق الأوسط في شهر آذار/مارس الآفاق المتاحة لانتقال سياسي حقيقي. تلاحظ ريسا بروكس أنه نظرًا للتحديات التي تواجه مصر، قلَبَ الرئيس عبد الفتاح السيسي الصيغة الأساسية للعلاقات العسكرية المدنية المصرية وزاد من سيطرته الشخصية على المؤسسة العسكرية.  وبدوره ينوه أنس القماطي أن خطة التوحيد العسكري المتضمنة في اتفاق وقف إطلاق النار الدائم في ليبيا المبرم في تشرين الأول/أكتوبر 2020 يضفي الشرعية على المؤسسة العسكرية المزدوجة الموروثة من عهد القذافي، ما يقلّص من آفاق إحلال السلام وإضفاء علاقات عسكرية مدنية مستقرة. ويجد بلقاسم القطعة أن الحراك الشعبي سلوك القوّات المسلّحة تجاه الحراك الشعبي وتعجيلهِا الانتخابات الرئاسية يقوٌِضان مصداقية القيادة العسكرية كحكم موثوق في إدارة الأزمات السياسية بين المتظاهرين الجزائريين وبين النخب المدنية الحاكمة. فيما يلاحظ  صموئيل راماني أن بعض عناصر المؤسسة العسكرية ما قبل المرحلة الانتقالية في السودان تستخدم المزايا السياسية والاقتصادية والدولية لتعزيز نفوذها على المدى الطويل.

لا تزال المؤسسة العسكرية في كل من هذه البلدان الأربعة بعيدة كل البعد عن التخلي عن مكانتها المتميزة في الدولة والسياسة، إن هذه المؤسسات العسكرية عالقة في معضلة، حيث لا يمكن أن يؤدي عملها لخدمةً مصلحتها الذاتية إلى النتائج المثلى التي تريدها. لا أمل للجهات العسكرية القوية في مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية الهائلة التي ولّدت حركات احتجاجية شعبية في عامي 2011 و2019 والتي تلوح في الأفق أكثر من أي وقت مضى في أعقاب جائحة فيروس الكورونا. لقد ساعدت هذه المؤسسات العسكرية في إدامة الظروف التي تولّد الأزمات، لكنها أيضًا تواصل عرقلة الحوار الهادف وإعاقة الإصلاحات التي يمكن أن تحسّن الأحوال، معتبرة الإصلاحات تهديدًا لتفوقها السياسي واستقلاليتها.

ومع ذلك، فإن المؤسسة العسكرية وحدها هي القادرة على تحدي إعادة إنتاج النظام السلطوي. فيمكن أن يؤدي الانكماش الاقتصادي والمالي في حقبة ما بعد جائحة فيروس الكورونا إلى تآكل المكافآت المادية والتفاهمات التي كانت تدعم حصة القوّات المسلّحة في النظام الحاكم سابقًا. في هذه الحالة، قد تُجبَر المؤسسة العسكرية على دخول فضاء غير مألوف، حيث يتعين عليها التفاوض مع الجهات الفاعلة السياسية والاجتماعية الأخرى، حتى أثناء سعيها إلى الحفاظ على مكانتها المتميزة. إلا أن حدوث تحول جوهري في نمط الحكم والذي يتضمن انسحابًا ولو جزئيًا من قبل المؤسسة العسكرية ليس في الأفق المنظور. بل لا تزال المؤسسة العسكرية في الوقت الحالي شريكًا رئيسًا للنخب الحاكمة التي تستخدم مزيجًا من العنف الصريح والنزعة القومية الضيقة والإقصاء الاجتماعي لإغلاق الباب أمام التفاوض.


يزيد صايغ زميل أول في مركز مالكولم كير كارنيغي للشرق الأوسط ومدير برنامج العلاقات العسكرية المدنية في الدول العربية.



 
آخر التغريدات


تواصل معنا