الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية - العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة
الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية - العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة
22 تشرين الثاني/نوفمبر 2021
عبد الفتاح ماضي

يناقش كتاب الديمقراطية والبندقية تجارب دول مختلفة في الانتقال إلى الديمقراطية، ويطرح مسارات عدة لإخراج العسكريين من السلطة وطرق إقامة الرقابة المدنية على القوّات المسلّحة.

جاء نشر كتاب الديمقراطية والبندقية: العلاقات المدنية - العسكرية وسياسات تحديث القوات المسلحة في ظل ظروف تعيشها منطقتنا العربية، طُرحت من خلالها أسئلة كثيرة حول إمكانية الانتقال إلى الديمقراطية ودور العسكر في السياسة والسلطة. يعرض الكتاب الأطر النظرية والمفاهيمية للعلاقات العسكرية المدنية، ويدرس تجارب سبع دول (البرازيل والأرجنتين وتشيلي وإسبانيا والبرتغال وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية) نجح فيها القادة السياسيون والعسكريون في معالجة العقبات التي فرضتها سياقات هيكلية مُعرقِلة - لا تقلّ عن تلك التي تُواجهها حاليًا دول عربية عدة - وتمكّنوا من إنجاز هدفَي خروج العسكريين من السلطة، وإقامة الرقابة المدنية على المؤسسة العسكرية. وبالرغم من غياب نظرية واحدة حول كيفية إخراج العسكريين من السلطة، أو حول إقامة الرقابة المدنية على القوّات المسلّحة، إلا أنه هناك العديد من الاستنتاجات العامة التي تصلح للاستفادة منها في عالمنا العربي.

سبل الخروج من الحكم العسكري

 قدّمتُ في الكتاب أربعة استنتاجات عامة حول كيفية خروج العسكريين من السلطة، أولها إن الطريق الأكثر شيوعًا هو النضال السلمي المنظم، ثم معالجة قضايا العلاقات العسكرية المدنية على مدى زمني ممتد، بما يؤدي إلى تقوية الدولة والديمقراطية والمؤسسة العسكرية معًا. حدث هذا بأشكال مختلفة وبدرجات نجاحٍ متفاوتة في إسبانيا وكوريا الجنوبية والأرجنتين والبرازيل وتشيلي. وثانيها، لا يمكن الانتقال إلى الديمقراطية من دون قوة سياسية ديمقراطية أو ائتلاف ديمقراطي. وقد ظهرت في جُل الحالات أحزاب قوية أو ائتلافات حزبية، مثل "ائتلاف الأحزاب من أجل الديمقراطية" في تشيلي، و"الحركة الديمقراطية البرازيلية،" و"الحزب الكوري الديمقراطي." وثالث هذه الاستنتاجات هو أهمية ظهور إصلاحيين داخل المؤسسة العسكرية، فالانتقال يكون ممكنًا عند إدراك العسكريين، أو جناح منهم، أن الحكم العسكري يُضعف تماسك المؤسسة العسكرية والثقة بها. ورابعها، أيّد الخارج الانتقال في كثير من الحالات، كما في دول جنوب أوروبا وشرقها، أو لم يمانع الانتقال، على الرغم من أنه كان مؤيدًا للنظم القديمة، وذلك في ضوء وجود بديل ديمقراطي قادر على الحكم، كما في الفلبين وكوريا الجنوبية. لكن، بوجه عام، يبدأ التغيير من الداخل، ومتى وُجِدت قوى ديمقراطية متفقة، فبإمكانها التعامل مع العقبات التي قد تأتي من الخارج.

إقامة الرقابة المدنية

إن إقامة الرقابة المدنية على القوّات المسلّحة، عملية شاقة وممتدة زمنيًا، وتحتاج إلى إرادة وتخطيط وخبرات، وتتطلّب قدرةً على الحسم ورفض طلبات العسكريين عند الضرورة. كما أنها تتأثر بالعديد من العوامل التي تتفاوت من دولة إلى أخرى. عادة ما يتم الشروع الفعلي في معالجة العلاقات العسكرية المدنية وإقامة الرقابة المدنية بعد انتقال السلطة من العسكريين إلى حكومة مدنية منتخبة، ووجود حد أدنى من الاستقرار السياسي والنظام الحزبي غير المنقسم. وغالبًا ما تلعب القيادات السياسية الكفؤة والحكومات ذات الشرعية الديمقراطية دورًا محوريًا في تلك العملية. ويمثل عامل الزمن عنصرًا مهمًا؛ فمعالجة العلاقات العسكرية المدنية عملية متدرجة وممتدة زمنيًا، غير أن إطالة مدة التحول، أو الانتقاص البطيء من امتيازات العسكريين، قد يُبقي قدرة العسكريين على العودة للسلطة أو يدفعهم للانقلاب. أظهرت حالة الأرجنتين كيف أن التسرع ساهم مع عوامل أخرى في إطالة عمر هذه العملية لعقود.  

إن إعداد كوادر مدنية في شؤون الدفاع والأمن من الأمور الجوهرية أيضًا، لكنه يتطلّب كثيرًا من الوقت والإمكانيات. ومن الآليات التي استخدمت في حالات الدراسة إنشاء برامج في شؤون الأمن والدفاع بالجامعات المدنية، ودعم المشاريع البحثية بمراكز البحوث، وتشجيع المجتمع المدني، وإصلاح الأكاديميات العسكرية. وقد كان ضَعف الكوادر المدنية في أميركا اللاتينية وكوريا الجنوبية سببًا رئيسًا من أسباب تأخر إقامة الرقابة المدنية.  

إلى جانب إصلاح قطاع الاقتصاد عمومًا، يجب تعزيز أجور العسكريين ومعاشاتهم، وترقية خدمات الضمان الاجتماعي والصحة والسكن المقدمة لهم، مع إلغاء الامتيازات وضمان المساواة بين المدنيين والعسكريين في الإدارات العامة أمام القانون، وفي تقديم الخدمات. قدمت حالات الدراسة أمثلة متفاوتة هنا، اعتمادًا على القدرات الاقتصادية المتوفرة. وبالعموم كان النجاح أيسر في دعم الأجور والخدمات المقدمة للعسكريين مقارنة بمسألة إلغاء الامتيازات. 

وثمة أهمية لفتح قنوات للحوار والتفاوض بين المدنيين والعسكريين لتجنب سوء الفهم وعدم الثقة بين الطرفين. وكذلك إيجاد آليات يعرف من خلالها المدنيون مطالب العسكريين والقضايا الاستراتيجية والدفاعية، وسبل يعرف بها العسكريون أسس النظام الديمقراطي ومميزاته ومتطلبات بناء دولة حديثة ووضع المؤسسة العسكرية داخلها. ومن الأمثلة هنا الدور الذي قام به منتدى توباهو في تشيلي، ونقاشات مجموعة من الأكاديميين والسياسيين والبيروقراطيين بوزارة الخارجية في إسبانيا. 

ولا يمكن إنجاز هدف الرقابة المدنية على القواّت المسلّحة إلّا بمأسسة كل الخطوات والإجراءات التي تتم، وتضمينها في قوانين ووثائق رسمية، على أن تتسم بالوضوح وألا تحتمل تفسيرات متعددة. 

سياسات تحديث القوّات المسلّحة

تمثل الرقابة المدنية على القوّات المسلّحة –في حال نجاحها- قطيعةً كاملةً مع الأوضاع التي كانت قائمة قبل الانتقال إلى الديمقراطية، وبانتهائها تتحقق غايات ثلاث، هي: الحفاظ على الدولة ووحدتها وأمن شعبها؛ وترسيخ النظام الديمقراطي ومؤسساته المدنية؛ وتعزيز المهنية العسكرية وتحديث القوّات المسلّحة ورفع درجة جاهزيتها. وقد أظهر الكتاب أن الطريق إلى هذه الغايات طويل، ويقتضي أن يتحلّى المدنيون بمهارات العمل السياسي والقدرة على ممارسة الحسم والمناورة ورفض الصفقات السرية. ويتم هذا عادة بمعاونة من العسكريين الإصلاحيين والخبراء المدنيين المتخصصين في قضايا الأمن والدفاع وبناء المؤسسات الديمقراطية.

وفي الكتاب أجندة مقترحة للسياسات العامة والأطر الدستورية والقانونية اللازمة لتحديث المؤسسات العسكرية وضبط العلاقات العسكرية المدنية، وهي مكوّنة من ستة مكونات، يأتي وضع الدستور الديمقراطي ومنظومة القوانين المكملة له في مركزها، بجانب قطاع الأمن (المؤسسات الأمنية والعسكرية والاستخباراتية)؛ حكم القانون واستقلال القضاء؛ المؤسسات السياسية الديمقراطية؛ الحقوق والحريات العامة؛ والعلاقة بين المجتمع والهيئات العسكرية.

الخلاصة

على الرغم من أن إقامة الرقابة المدنية غاية يُرجى الوصول إليها، فإنّها عملية مستمرة، وذلك بهدف مواكبة التطورات التي يشهدها قطاع الدفاع، والتكيّف مع أي مستجدات جيوسياسية أو مهمات جديدة قد تُسنَد إلى القوّات المسلّحة في ضوء تغيّر طبيعة النزاعات وتقدّم الأسلحة.

كذلك، إن تبنّي النظام الديمقراطي وترسيخه، بما في ذلك إقامة الرقابة المدنية، ليس إلا بداية الطريق لمعالجة باقي التحديات والمشكلات، بل لتطوير النظام الديمقراطي ذاته وتقديم معالجات جديدة للتوترات التي أفرزتها الممارسات الديمقراطية كمشكلات المال السياسي والتمثيل والانتخابات وسيطرة الشركات الكبرى وضعف أدوات الرقابة على النواب والسياسيين، وغير ذلك.

وأخيرا، وفي ضوء ما تقدم وبالنظر إلى الدور الذي تلعبه المؤسسات العسكرية في عدد من الدول العربية، يمكن القول إنّ طريق معالجة العلاقات العسكرية المدنية في هذه الدول يتطلب قيام القوى السياسية والمجتمعية الرئيسة بترتيب أولوياتها بحيث تتجاوز خلافاتها ونزاعاتها، وتعمل على رص صفوفها. إنّ إجماع هذه القوى على هدف "الانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي" هو الخطوة الأولى لتعديل ميزان القوى المختل لصالح الحكومات الفردية والعسكرية التي تمتلك القوّة المادية. وتحتاج وحدة الهدف إلى عمل مشترك، أي إلى تكتل القوى الديمقراطية، ثم العمل المستمر على توسيع قاعدة القوى التي ترى الديمقراطية بوصفها هدفًا مشتركًا وسبيلاً أساسيًا لبناء دولة المؤسسات والقانون التي تحافظ على وحدة الدولة وأمنها؛ وتُقيم مؤسسات سياسية ذات شرعية شعبية وقابلة للمساءلة؛ وتُعزز مهنية المؤسسة العسكرية وجاهزيتها. ويقتضي الأمر كذلك العمل على كسب أنصار من داخل المؤسسات العسكرية والانفتاح على أي عناصر إصلاحية داخلها، فضلا عن تعزيز قدرات المدنيين في شؤون الدفاع والأمن.  


عبد الفتاح ماضي هو أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإسكندرية، ورئيس تحرير دورية "حكامة للإدارة والسياسات العامة،" ومنسق "مشروع التحول الديمقراطي،" وهو متخصص في نظم الحكم، والتحول الديمقراطي، والتنمية السياسية، وحقوق الإنسان. بالإضافة إلى كتاب الديمقراطية والبندقية، نشر ماضي العديد من الكتب والمقالات، منها كتاب عثرات في الميدان: كيف أخفقت ثورة يناير في مصر؟ (2020).



 
آخر التغريدات


تواصل معنا